لمّا تبني حياةً جديدةً في هولندا: قصّة رهف

لقد أدّى الصراع الدّائر في سوريا إلى تمزيق أوصال البلاد وتشتيت الشّعب، فيتوزّع ما يُقدَّر بأحد عشر مليون لاجئٍ في كلّ أنحاء أوروبا والشرق الأوسط.

هؤلاء، وفي اجتهادهم لبناء حياةٍ جديدةٍ لأنفسهم، يواجهون تحديات اجتماعية ونفسية مختلفة. كيف يندمج اللاجئون اندماجاً كليّاً في مجتمعٍ جديدٍ ويظلّون في آنٍ معاً متشبِّثين بهويّتهم السورية؟ لقد خلق برنامج أصوات فاعلة شبكة من الشباب السوريين لكي يُتيح لهم أنْ يعملوا معاً، ويبنوا حياةً جديدةً، ويرفعوا الصوت. رهف هي واحدة من هؤلاء الشباب السوريّين، ولها قصّة ترويها.

"رحلْتُ عن سوريا مُستعينةً بخدمات المهرِّبين غير الشرعيّين، حالي حال معظم الناس الذين جاؤوا إلى أوروبا". وصلَتْ رهف إلى هولندا، عن طريق البحر، منذ سنتَيْن ونصف السنة. وقد اضطرّت رهف، والتي أصلها من حلب، أنْ تغادر سوريا على عجالةٍ من أمرها. تقول: "الرّحلة كانت شاقّة، لا شكّ في ذلك. لكنّني عزّيْتُ نفسي بحسّ الفكاهة. لقد اعتبرْتُ الرّحلة مغامرة، رحلة سائح".

التحدّيات

تجابه رهف المصاعب بأنْ ترى الإيجابيّات دائماً في كلّ ما حولها. لكنّها ولمّا وصلَتْ إلى هولندا أخيراً، صعُب عليها أنْ تتكيّف وقد صادفَتْ حواجز عديدة. تفيدنا رهف قائلةً: "من الصّعب انْ تأتي إلى بلادٍ غريبة لا تعرف عنها البتّة. كلّ ما فيها غريبٌ، العادات والتقاليد، اللغة، الناس، الطريقة التي يتعاملون بها معكَ. ينبغي على الواحد منّا أنْ يجد سبيلاً جديداً ليتعامل مع كلّ ما حوله، وهذا مسعى شاقّ".

وبالرّغم من أنّ السوريين الذين استقرّوا في الشرق الأوسط يواجهون مشقّات تختلف عن هؤلاء الذين استقرّوا في أوروبا، فالاثنان يواجهان العديد من التحدّيات المُشترَكة. تذكر رهف: "بغضّ النظر عن الظروف المُحيطة، كان علينا جميعاً أنْ نبدأ من الصّفر. حتّى هؤلاء الذين يعيشون في جوار سوريا. فقد يتكلّمون اللغة نفسها غير أنّهم يواجهون تحديات كبيرة أخرى، كالسّعي وراء توفير الاحتياجات الأساسيّة. وقد يتهيّأ لهؤلاء أنّ السوريين في أوروبا يعيشون في الهناء والسعادة، في حين أنّنا نواجه مشاكل أخرى. قد تكون احتياجاتنا الأساسيّة مُوفَّرَة لنا، ولكنّنا ما زلنا نعاني. نحن السوريون، نفوسُنا صلبة. نحن لا نستسلم. عزّة نفسنا لا تسمح لنا بأنْ نستسلم لحالةٍ نفسيّةٍ أو للشعور باليأس أو للعجز عن العمل".

بناء حياةٍ جديدةٍ

تمدّ عزّة النفس رهفاً بسبيلٍ لتواجه أيّ تحدٍّ يعترض طريقها، بل كان المسير شاقّاً. فقد كان عليها أنْ تواجه تحدّي الاستخفاف بمهاراتها ومعرفتها في بيتها الجديد في سبيل أنْ تبني حياةً جديدةً. تقول رهف: "عملْتُ كمنسّقة برامج في سوريا لمشروعٍ مجتمعيّ بعنوان "جسور سلام". ولمّا قدّمْتُ طلبات لأعمل أو أتطوّع في هولندا، قوبِلْتُ بالاستخفاف بخبرتي في كلّ مرّة. بقيتُ دون عمل، طيلة سنتَيْن كاملتَيْن. ثمّ تمكّنْتُ أخيراً من إيجاد عمل، ولو أنّه عمل تطوّعي، لم أعبأ بذلك. لقد قبلوني (أي المنظّمة) كسكرتيرة، لأنّهم كانوا بحاجةٍ إلى متحدِّثٍ ناطقٍ بالعربيّة والإنكليزية معاً. اضطرِرْتُ أنْ أتخلّى عن خبرتي السابقة كلّها، بل اخترْتُ أنْ أقتنص الفرصة إذ وجدْتُ فيها سبيلاً للتعلُّم".

إيجاد شبكة

يتصارع العديد من الشباب السوريين، خلال عمليّة التأقلم مع حياةٍ جديدة، مع مشاعر الوحدة أيضاً نظراً لكونهم استقرّوا في بلدٍ جديدٍ بمفردهم أو نظراً لافتقادهم لبعض أفراد الأسرة. طيلة سنة ونصف، عاشَتْ رهف وحيدة تنتظر زوجها أنْ يوافيها. هي تخبرنا: "شعرْتُ بنقصٍ في مكانٍ ما إذ لم أجد مَنْ يشجّعني ويدعمني. عندما وصل، بنى لي عائلةً مجدّداً ونظام دعمٍ، وجعلني أشعر بالأمان. هو منحني شعوراً بالأمان ينبع من التّوجيه والدّعم".

إنّ التحلّي بالقوّة ورَفْع الصّوت في مجتمعكَ، هما مهمّتان تصعبان أكثر فأكثر في ظلّ انعدام نظام دَعْم. فكيف يحافظ المرء على القوّة وهو يرضخ لكلّ هذه الضّغوط ويجتاحه ذاك الشّعور بالوحدة؟ القوّة والقدرة على رَفْع الصوت، هما ميزتان تجدهما في أعماق نفسك ولكنّهما تتعزّزان بوقوف الآخرين إلى جانبكَ وبتشجيعهم لكَ. تقول: "إنّ وجود مشاريع مثل أصوات فاعلة هو ذات ضرورة قصوى. فهذه المشاريع تساعد السوريّين الآتين من كلّ مكان لكي يجدوا شبكة دعم ويرفعوا الصوت عالياً. فليس من المُسلَّم أنْ يكونوا مجرّد لاجئين، وقد نُزِعَتْ عنهم كلّ قيمة أحياناً، بل بات بإمكانهم أنْ يكونوا أكثر من مجرّد أرقام".

يجمع مشروع أصوات فاعلة السوريين معاً لكي يؤهِّلهم بأنْ يجدوا دعماً في ظلّ غياب نظام دعمهم الذي اعتادوا عليه بسبب البُعد. ويدعم المشروع أيضاً بُناة السلام الشباب هؤلاء لكي يناصروا احتياجات مجتمعاتهم المحليّة في بيوتهم الجديدة وكشبكة عالميّة في آنٍ معاً. تعتبر رهف هذا النّظام أساسيّاً على صعيدَيْن متكافئيْن: للتكيُّف مع حياةٍ جديدةٍ وللعودة المَيْمونة إلى الوطن في النهاية. تتابع رهف حديثها فتقول: "علينا أنْ نستمدّ قوّتنا من بعضنا البعض، وندفع أحدنا الآخر إلى اتّخاذ الخطوة الأولى للاندماج في المجتمع الجديد. لكنْ وفي الوقت نفسه، نحن نركّز على دَعْم أنفسنا وتطويرها، وفِعْل المِثْل للآخرين، لكي وفي يومٍ من الأيّام، متى عُدنا إلى الوطن الأمّ، ندخل البلد وبين يدَيْنا هبة نقدّمها له".


تُموِّل المشروع المفوضيّة الأوروبيّة ويقوده المجلس البريطاني ويتمّ تنفيذه من خلال اتّحاد شركاء (بمَنْ فيهم إنترناشونال ألرت، و Search for Common Ground، و Globally Connected).