خُطِف وبيع وها هو يقف وقفة لأجل سوريا: قصّة طارق

الرحلة

"لا أريد لكَ أنْ تعاني بسبب النزاع".

هي عبارة نطقت بها والدة طارق لتغيِّر حياته. عملاً بنصيحتها، ترك بيته في حماه في سوريا منذ ثلاث سنوات وانطلق في رحلةٍ ستظلّ حيّة في ذاكرته طالما هو حيّ.

قال: "لقد سافرْتُ عبر تركيا والجزائر إلى ليبيا مع مجموعة مؤلَّفَة من 79 شخصاً. وما كانَتْ مرّت ساعة على وصولنا إلى ليبيا حتّى اختُطِفنا على يد عصابة من المُهرِّبين وتمّ بَيْعنا لعصابة أخرى. هؤلاء أجبرونا على دَفْع ثمن حريّتنا. هم سلبوني هاتفي ومحفظتي وأغراضي الشخصية كلّها. أنا جُرِّدْتُ من كلّ شيء، بل بقيتُ حيّاً".

وتمكّن طارق في نهاية المطاف، وبالرّغم من المشقّات كلّها، أنْ يصل إلى البحر آمِلاً أن يعبره إلى برّ الأمان، إلى إيطاليا، على متن قارب. "لمّا صعدنا إلى متن قارب أخيراً، بدأ هذا يغرق فينا. أولئك بيننا الذين امتلكوا هاتفاً اتّصلوا بمنظّمات في إيطاليا مُستنجِدين. رحنا نُفرِغ المياه التي عام بها القارب طالما وجدنا سبيلاً لذلك. وأخيراً، حضرَتْ طائرة مروحيّة وخفر السواحل لانتشالنا من مأزقنا. وكانَتْ خاتمة الرحلة أنْ وصلنا إلى أوروبا".

"نحن مثلكَ تماماً"

وجد طارق أخيراً ملجأ له في الدانمارك، غير أنّه واجه هنا صراعات أخرى. "عندما أطلّ وحش التنميط والعدوانية تجاه اللاجئين والأناس ذوي البشرة الأدكن لوناً برأسه علينا، قرّرنا أنْ نتصرّف. فاتّحدنا في مجموعة أسمَيْناها “Villep One” واجتمعنا معاً يوم عيد الميلاد لنوزِّع الزهور والنشرات مُوجِّهين رسالة إلى الناس مفادها: " نحن مثلكم تماماً".

ويُتابع طارق فيقول: "أمنيتي هي أنْ نصبح ذات يوم بُناة وعي. فنساهم في تنشئة النّفوس على تقبُّل الآخر ونُعلِّم الناس أنْ يعتنقوا اختلافات بعضهم البعض ونوعّي هؤلاء على أنّ الاختلافات هي في الواقع دليل صحّة لأيّ مجتمع وبالتالي فهي ضرورية".

واستتبعَتْ المبادرة الأولى بالعديد من المناسبات لفّوا بها مدناً كثيرة حول البلاد. يقول طارق: "بفضل النجاح الذي حقّقناه، دُعيت إلى مناقشات ومظاهرات سياسيّة. وكنتُ أشارك في مظاهرة بعنوان "أهلاً باللاجئين" عندما أُعطيتُ الفرصة بأنْ ألقي خطاباً على مسمع سيّدة بين الحضور جاءت بعدئذٍ تُكلِّمني. وقد وقعنا في الحبّ؛ السيّدة نفسها هي زوجتي الآن. أنا مُمتَنٌّ جدّاً لأجل ذاك اليوم ولواقع أنّني صادفْتُ الحبّ في محيطٍ جديدٍ ووجدْتُ دفء البيت مجدّداً".

التصرُّف

لقد دُعِي طارق إلى حضور ورشة عمل تُنظِّمها شبكة أصوات فاعلة، وهو مشروع يجمع السوريين الشباب والشباب من مجتمعاتهم المضيفة في أوروبا والشرق الأوسط. وقد تعلّم خلال ورشة العمل هذه في مدينة هوبرو في الدانمارك كيف يستخدم مهاراته ليتعرّف على القضايا التي تمسّ هؤلاء الشباب في مجتمعه المحلّي وكيف يستطيع أنْ يناصر التغيير على أفضل نحوٍ ممكن.

مُفعَماً بالطاقة التي مدّتْه بها ورشة العمل، أراد طارق أنْ يستخدم مهاراته المُكتسبَة حديثاً على الفور، فراح يقود نقاشات ضمن مجموعات مُركَّزة ويُجري المقابلات مع المسؤولين عن الهجرة في الدانمارك لكي يحدِّد العقبات الرئيسية التي تُعيق إدماج السوريين في مجتمعهم الجديد في محاولةٍ منه لاجتياز هذه العقبات.

يقول طارق: "مشروع أصوات فاعلة هو مشروعٌ على قدرٍ كبيرٍ من الأهميّة. نحن نحتاج أنْ نخطو خطوة إلى الأمام. يتعيّن علينا أنْ نتصرّف. عديدةٌ هي الأمور التي تزعجنا، وخاصّةً الهوّة المُستجدّة التي لم تفصل فقط بين المجتمع الأوروبي المضيف والسوريّين، بل أيضاً بيني وبين أسرتي في سوريا وأبي في لبنان. الهوّة تتّسع، ويجب على أحدٍ ما أنْ يبادر فيردمها. وهذه هي الغاية من المشروع".

كما دُعِيَ إلى أمستردام برفقة ناشطين سوريّين آخرين ضمن أصوات فاعلة تقاطروا من كافّة أنحاء أوروبا. وهم اجتمعوا معاً وركّزوا على نتائج البحث المجتمعي والذي قاموا به معاً وتناول اللاجئين السوريين ومجتمعاتهم المحليّة الجديدة. وراحوا معاً يرصدون الخطوات الملموسة التي قد تساعد على تحسين العلاقات والفَهْم بين السوريين ومجتمعاتهم المضيفة في أوروبا، بل أيضاً بين السوريين أنفسهم المُوزَّعين في كلّ أرجاء أوروبا والشرق الأوسط بسبب النزاع. يوفِّر مشروع أصوات فاعلة واحدةً من المنصّات القليلة التي تجمع، وبشكلٍ حسيٍّ، مجموعة متنوّعة من الأشخاص حول قضايا مشتركة وتساعدهم على رَفْع الصوت لبناء مستقبل أفضل.

المستقبل

ويُطلعنا طارق قائلاً: "أودّ لِمشروع أصوات فاعلة أنْ يوسِّع نطاق عملنا. نحن نمثِّل نسبة صغيرة من السوريين ونودّ أنْ نضمّ المزيد من السوريين. نودّ أنْ نترك أثراً على أوسع شريحة ممكنة من الناس. نريد أنْ يتأثّر الجميع. فإذا أسّسنا قنوات مُشتركة ومنصّات مشتركة نستطيع من خلالها أنْ نُحسِّن تواصلنا، سنتمكّن عندئذٍ من أنْ نعزِّز إمكانية بناء مجتمع مستقبليّ يداً بيد".


تُموِّل المشروع المفوضيّة الأوروبيّة ويقوده المجلس البريطاني ويتمّ تنفيذه من خلال اتّحاد شركاء (بمَنْ فيهم إنترناشونال ألرت، و Search for Common Ground، و Globally Connected).