من العمل في المجال الإنساني إلى بناء السلام: خلاصة ما تعلمت

يارا الموسوي من منظمة إنترناشونال ألرت قامت بالنقلة من المجال الإنساني إلى مجال ذات صلة، ولكنْ غالباً ما يُساء فهمه، ألا وهو مجال بناء السلام. واحتفاءً بذكرى اليوم العالمي للعمل الإنساني، هي تتحدّث عن كيف يتقاطع المجالان ليغيّرا حياة الناس مُشارِكةً إيّانا بقصص عن أشخاص التقت بهم.

مضت ثلاث سنوات مذ انتقلت إلى قطاع بناء السلام. وكنت عملت قبل ذلك في مجال الإعلام والتواصل في حالات الطوارئ ضمن المجال الإنساني، وقد صببت تركيزي على الأزمة السورية التي طال أمدها في لبنان. فرحت أستقطب اهتمام الناس من كل أنحاء العالم باللاجئين السوريين. وسرعان ما تعلّمت أن المجالَيْن ينقذان الأرواح ولكنْ بطرق مختلفة ووفق جداول زمنية متغايرة.

يسعى بناء السلام إلى معالجة الأسباب الرئيسية الكامنة وراء النزاع وبناء قدرة الناس على حل النزاعات سلمياً. غير أنّ التحديات جمّة، إذ يعيش حوالى مليارَيْ شخص في مناطق هشّة ومتضرّرة بفعل النزاع، فيما أُجبِر 70.8 مليون شخص حول العالم على النزوح عن ديارهم بفعل النزاع. ويقف النزاع حالياً سبباً خلف 80% من الاحتياجات الإنسانية.

خلال زياراتي الميدانية العديدة والتي التقيْتُ خلالها بأناس من خلفيات مختلفة، برزت سمة واحدة مشتركة: يظن الناس أن بناء السلام هو عملية تبدأ حيث ينتهي نزاعٌ ما. لكنْ وعلى خلاف القناعات السائدة، فإن بناء السلام يلعب دوراً مهماً جدّاً في الظروف الإنسانية وحالات الطوارئ المستمرة.

في لبنان، الذي أنا منه، يضطلع بناء السلام بدور مهم في تعزيز الإستقرار الإجتماعي. فيعي العامِلون في المجال الإنساني التوترات التي قد تنشأ بين اللاجئين والمجتمعات المضيفة حول الموارد الشحيحة. لذلك، فإننا نركّز على مقاربات بناء السلام التي تساعد البرامج التنموية والإنسانية على ضمان إسهامها في التماسك الاجتماعي بدلاً من مفاقمة النزاع عن غير قصد منها.

واحدٌ من مشاريع منظمة إنترناشونال ألرت في لبنان، والأحبّ إلى قلبي، يركّز على تقليل مصادر التوتر بين المجتمعَيْن السوري واللبناني في منطقة البقاع، حيث تشنّجت العلاقات بسبب الحرب في سوريا وأزمة اللاجئين الناتجة عن هذه الأخيرة. نحن نجمع معاً طلاباً شباباً من اللبنانيين والسوريين المهتمّين بإيجاد حلول سلمية للمواقف اليومية التي تتهدّدهم، مثل وصول اللاجئين إلى التعليم وإدارة العلاقات فيما بين المجتمعات المحلية واستخدام الموارد المجتمعية مثل المياه. فيسمح المشروع للشباب السوريين واللبنانيين بأن يشاركوا في مختلف النشاطات التي تهدف إلى بناء السلام والتخفيف من حدّة النزاعات، وذلك بغية تفكيك الصور النمطية السلبية وتقليل فرص تصعُّد الخلافات المحدودة النطاق.

ويسعى بناء السلام أيضاً إلى زرع بذور السلام ليس فقط بين المجتمعات المحلية المنقسمة، بل أيضاً ضمن هذه المجتمعات.

ولا يحدث هذا إلا بمساعدة من بناة السلام الأبطال. فبُناة السلام هم أشخاص مثل طارق، وهو لاجئ سوري شاب تعرّض للاختطاف والبيع على يد جماعة من المهرِّبين. ففيما أصبح له بمثابة بيته الجديد، الدانمارك، هو يعمل على دعم آخرين من طالبي اللجوء واللاجئين على التغلّب على تحدّياتهم. التقيتُ طارق للمرّة الأولى في أمستردام خلال ورشة عمل ضمن مشروع لنا بعنوان أصوات فاعلة، والذي طوّر مهارات القيادة الاجتماعية لدى الشباب الذين تضرّروا بفعل الأزمة السورية المستمرة والممتدة الأجل. وكم ذُهلت أمام صموده وحماسته الهائلَيْن، بالرغم من كلّ ما مرّ به. لقد شرح طارق كيف أنه يعمل بلا كلل مع السوريين الآخرين المُشتَّتين في كافة أقطاب العالم بغية بناء جسور بينهم وبين المجتمعات المضيفة لهم. يقول طارق، "أمنيتي هي أن نصبح مُنشِّئين على الوعي في يوم من الأيام، وأن نساعد على تمهيد الأرضية لتقبُّل الآخر وتعليم الناس أن يتقبّلوا اختلافات بعضهم البعض وتوعية هؤلاء بأن الفروقات هي بالحقيقة صحية وضرورية لأي مجتمع"، وما زال صدى قصّته هذه يتردّد في أعماق ذاتي حتى يومنا هذا.

في أماكن أخرى، يتعامل بُناة السلام مع إرث النزاع فيحرصون ألا يطلّ رأسه البشع من جديد.

وبُناة السلام هم أشخاص مثل سارة، الرواندية البالغة من العمر 18 عاماً والتي ورثت صدمة الإبادة الجماعية من والدَيْها. وسارة هي ترأس واحداً من أنديتنا الخاصة بالشباب، كجزء من مشروع دوهوز، والذي يعمل على توفير الدعم النفسي والاجتماعي للشباب الذين تضرّروا بفعل الصدمة المُتناقلة عبر الأجيال من خلال عمليات الحوار الشمولي والمبادرات الإقتصادية المشتركة.

تقول سارة: "كنتُ أسأل نفسي أحياناً لماذا وُلدت وأنا أحمل هذا الحمل الثقيل والثقيل جداً؟ لماذا ينبغي علي أن أدفع ثمن الأخطاء التي ارتكبها الجيل السابق؟ ولكنْ ما ألبث أن أتذكّر بأننا نحن التغيير. ويجب علينا أن نتأكد بأن ما حدث لن يتكرّر أبداً. نحن نستخدم قوة حوار بناء السلام لدَفْع الكل، مهما كانت مشاربهم، إلى التواصل والشفاء".

ويساعد بُناة السلام الناس أيضاً على التأسيس للمستقبل.

فبُناة السلام مثل رهف، والتي تركت سوريا مستعينةً بخدمات المُهرِّبين غير الشرعيّين، هم خير مثال على ذلك. فقد اضطرّت أن تغادر بلدها في عجلة، هي التي أصلها من حلب، وتبدأ من الصفر في موطنها الجديد هولندا. ولكنّ رهف لم تستسلم. هي بنت حياةً جديدة ولعبت دوراً في شبكة أصوات فاعلة إلى جانب اللاجئين السوريين الآخرين.

تقول رهف، "نحنا نحتاج إلى أن نجد شبكة دعم لرفع صوتنا. فلا ينبغي بنا أن نكون مجرّد لاجئين، وأحياناً مجرّدين من كل قيمة، لا بل يمكننا أن نكون أكثر من مجرّد عدد". رهف هي شبكة دعم حيّة تساعد كلّ مَنْ حولها وتدفعهم إلى تطوير مهاراتهم: "يجب علينا أن نواصل التعلّم، لكيما وفي يوم من الأيام، وعندما نعود إلى موطننا، نحمل بين أيدينا ما نقدّمه لبلدنا".

بصفتي متخصّصة في مجال التواصل، أشعر بامتياز بأن أستمع إلى القصص كتلك القصص عن كثب، من فم أصحابها، من أفراد يعملون على بناء مجتمعات سلمية أكثر تسامحاً، وهم غالباً ما يعملون في ظروف صعبة للغاية. ودوري هو أن أساعد على إيصال قصصهم إلى العالم الخارجي، لكي يفهم الناس وبشكل أفضل ما الذي يحدث في المناطق والأماكن التي لا وصول لهم إليها أو تلك التي ربّما لم يسمعوا بها من قبل.

في منطقتي والتي روّعتها الحرب طويلاً، وحيث الناس معتادون أكثر على عمليات الإغاثة من قصص بناء السلام، أحمل واجباً على كتفيّ ألا وهو أن أوصل فكرة بأنّ بناء السلام ليس أمراً بعيداً عن المساعدة الإنسانية أو عن حياة الناس اليومية.

أنا أشعر بالضرورة القصوى، مهنيّاً وشخصيّاً، لأن أظهر بأن للناس السلطة على كسر دوامات العنف وبناء سلام مستديم. فبناء السلام لا يقتصر على اجتماعات رفيعة المستوى حول السياسات، بل الكثير من أثر هذه العملية يعتمد على العمل الدؤوب والجهود اليومية لأبطال نعايشهم مثل طارق وسارة ورهف.